غلاف البحث

نظرية التقعيد الاصولي

ايمن البدارين


32مشاهدة
10تحميل
640صفحة
2006سنة النشر
0.0
(0 تقييم)
أضف تقييمك
النوع
كتاب
الموضوع
فقه وأصوله
اللغة
العربية
صورة الباحث
أضافه بواسطة ايمن البدارين

الملخص

بسم الله الرحمن الرحيم
قالوا قديما: " التأليف على سبعة أقسام لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها وهي: إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه( )".
وقد حَرَصَت أن تحتوي هذه الدراسة على جميع هذه الأقسام السبعة، ومع ذلك فالنقص مستول على جملة البشر، فقد كتب أحد الفضلاء إلى فاضل آخر( ) معتذرا عن كلام استدركه عليه يقول فيه:
" إنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا؟ وها أنا أخبرك به، وذلك أني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل؛ وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر( )".
فسبحان من خضعت لعظمته الرقاب، وذلت لجبروته الصعاب، ومالت لقدرته الشدائد الصِّلاب، اتصف بالعز والكبرياء، وتنزه عن النقص والغلواء، تناهت كمالاته عن الحصر، وصفاته عن الوصف، لم يسلم كتاب من النقص سوى كتابه ، قال تعالى: ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) [فصلت: 42]
قال الزركشي( ): " أشرف العلوم بعد الاعتقاد الصحيح معرفة الأحكام العملية، ومعرفة ذلك بالتقليد ونقل الفروع المجردة يستفرغ جمام الذهن ولا ينشرح بها الصدر؛ لعدم أخذه بالدليل، وشتان بين من يأتي بالعبادة تقليدا لإمامه بمعقوله وبين من يأتي بها وقد ثلج صدره؛ عن الله ورسوله، وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد، والناس في حضيض عن ذلك، إلا من تغلغل بأصول الفقه، وكرع من مناهله الصافية، وأدرع ملابسه الضافية، وسبح في بحره، وربح من مكنون دره( ) ".
وقال: " إن ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة هو أوعى لحفظها، وأدعى لضبطها "( ).
وقال القرافي( ) في الذخيرة: " يتعين أن يكون على خاطر الفقيه من أصول الفقه وقواعد الشرع واصطلاحاًت العلماء، حتى تخرج الفروع على القواعد والأصول، فإن كل فقه لم يخرج على القواعد فليس بشيء "( ).
وقال في فروقه: " ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها... فبين المقامين شأو بعيد، وبين المنزلتين تفاوت شديد( ) ". وقال العلامة حسن العطار( ) " القواعد شأنها أن يستثنى منها، والقاعدة تناسب الأصول؛ لأن الأصول هي القواعد "( ).

تقديم العلامة الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد
فقد بذل أسلافنا السابقون جهوداً عظيمة في خدمة الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاجاً، فقدموا خدمات جليلة في جميع مجالات التنظير، والتعليم، والتأصيل، والتقعيد، وشؤون الحياة، حتى تحققت لأمة الإسلام حضارة رائعة في مظهرها وجوهرها، ورائدة في علومها وفنونها، وهادفة في مقاصدها العظيمة وغاياتها النبيلة، وقوية في بنيتها وآثارها.
وقد كان لعلماء الأصول القدح المعلى والمنهج الأسنى في خدمة الشريعة وكيفية الاستنباط، والاستخراج والتخريج منها، كما كانت لهم جهود قصوى في تحقيق المناط والتنزيل والتطبيق، حيث لم تحتج أمة الإسلام طوال قرون تطبيقها إلى استيراد قاعدة قانونية أو مبدأ تشريعي من خارج كتابها المنزّل وسنة نبيه المطهرّة، مع أن الشريعة قد طبقت على مختلف الأمم ذوات الحضارات العريقة، والقوانين المنظمة مثل قانون حمورابي، والقانون الروماني.
ولذلك يُعدّ علم أصول الفقه والقواعد أشرف العلوم بعد العلم بذات الله تعالى وصفاته؛ لأن شرف العلوم بموضوعاتها، وأن موضوع أصول الفقه الأدلة الإجمالية (كالكتاب والسنة وما وما ثبت من الأدلة بهما) ولأنه ازدوج فيه الوحي والعقل، واصطحب فيه الشرع والرأي( ).
والحق أن الله تعالى حفظ فهم الشريعة ودلالاتها بعلم أصول الفقه وقواعدها من عبث العابثين، والمفرطين، ومن (تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين، وتأويل الغالين )( ).
ولذلك نرى أن هجمات العلمانيين الذي يريدون تحريف النصوص الشرعية تنصب في المقام الأول على علم أصول الفقه وقواعدها الضابطة، لأنه يمنعهم من العبث والانحراف، أو أنه يفضح منهجهم فتسقط دعاواهم التي يحاولون ربطها بتأريخية النصوص، أو بالمقاصد العامة المتناقضة مع فهم السلف الصالح والعلماء الربانيين الذي أصّلوا منهج التفسير والاستنباط والترجيح والتخريج والاجتهاد.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب (نظرية التقعيد الأصولي) للأخ الفاضل الباحث المدقق الدكتور أيمن عبدالحميد البدارين، حيث أفاض في بيان حقيقة القواعد الأصولية، وموضوعها، ومبادئها، وفائدتها، وفضلها، ومكانتها، والفرق بينها وبين القواعد الفقهية...، والقواعد الأصولية الكبرى والوسطى والصغرى، وغير ذلك، حيث خاض فيها خوض الباحث الواثق الذي يستفيد ممن سبقه، ولكنه يبتعد عن التقليد الذي ليس عليه دليل، حيث رأيناه مختلفاً مع جمهور الباحثين عن مناهج الأصوليين الذي يقسمونها إلى ثلاثة مناهج: منهج المتكلمين، ومنهج الحنفية، والمنهج الجامع بين المنهجين السابقين، حيث خالفهم جميعاً ونفى أن يكون هناك خلاف بين هؤلاء، وأن المنهج واحد، وأقام الحجّة على ذلك.
هذا وغيره حتى لو اختلف معه الآخرون فإنه يُحسب له، حيث يبرهن على أنه يسير وفق ما يراه راجحاً، ولا يتبع إلاّ ما عليه الدليل في نظره.
ومن المعلوم أن علم أصول الفقه وقواعده من العلوم الثابتة نسبياً، فليست مثل علوم الفقه والاقتصاد والاجتماع، ولذلك فإن الإضافة فيه قليل، والتجديد فيه صعب المنال، ومع ذلك حاول الباحث الكريم فبذل جهوداً مضنية لتحقيق إضافات أو تجديد في مجال التقعيد الأصولي تكمن في محاولة إعادة بناء النتائج الأصولية، وصياغتها في مباني قواعد قانونية محكمة الصياغة على شكل قواعد أصولية، محاولاً وداعياً لتسميتها : (علم القواعد الأصولية).
ومن القواعد الأصولية المهمة التي أجاد في عرضها وبيان الخلاف فيها، قاعدة الحسن والقبيح، حيث أطال فيها النفس فذكر مجموعة من القواعد المتفرعة منها تضمنت فوائد عظيمة، وكنت أود أن يتطرق إلى فقه الميزان فيها، حيث إنه يؤدي إلى حسم الخلاف فيها، وهو بيان ميزان الشرع، وميزان العقل، حيث إنه ليس من ميزان العقل أن يوزن به غير ما وضع له، فميزان العقل الإدراك والبيان لحقائق الأشياء وصفاتها مما يقع تحت إدراكه وسلطانه، أما ما ليس داخلاً في ذلك فإن إقحامه فيه يؤدي إلى الخلط والظلم، ويكون مَثَلُه كمن يزن الكهرباء ومقدار صرفه بميزان الحديد، ولذلك ربط الله تعالى بين فهم الكتاب فهماً صحيحاً وبين الميزان فقال تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ...)( ).
وبناء على ذلك فإن لكل شيء ميزانه الخاص به، وبالتالي فالعقل ليس له حق إثبات الحكم الشرعي، لأن صاحبه هو الله تعالى، وإنما له حق بيان الحكم الشرعي، فيكون العقل مبيّناً وكاشفاً وليس مقرراً ومثبتاً، في حين أن للعقل دوره العظيم في استكشاف الماديات وبيان منافعها، وفي تحقيق العمران والحضارة.
ولذلك فإن بيان الايجاب الشرعي ونحوه، وكذلك بيان الثواب الدنيوي والأخروي ليس من ميزان العقل وإنما هو من ميزان الشرع( ).
وعموماً فإن الكتاب قيِّمٌ في موضوعهِ، نافعٌ في مباحثهِ، دقيقٌ في عرضهِ وطرحهِ، لا يستغني عنه الباحثون في علم الأصول والقواعد، فجزى الله مؤلفه الدكتور أيمن البدارين خير الجزاء، ونفع به وأجزل على يديه الخير وتقبل منه بقبول حسن وجعله في ميزان حسناته، ووفقه للمزيد من التأليف والتحقيق لخدمة أمته التي تحتاج إلى التأصيل والتقعيد والتنوير والتجديد.
ولله درّ الشاعر إذ يقول:
بقدر الجدّ تكتب المعالي ***** ومَنْ طلب العُلا سهر الليالي
ومَنْ طلب العُلا من غير كدّ ***** أضاع العمر في طلب المحال
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتبه الفقير إلى ربه
أ.د. علي محيى الدين القره داغي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الدوحة 26 محرم 1441هـ الموافق 25 سبتمبر 2019م



مقدمة الطبعة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديهم واتبع سنتهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد منَّ الله عليَّ بنشر الطبعة الأولى من كتابي هذا الذي هو رسالتي لنيل درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله من الجامعة الأردنية فور مناقشتها مباشرة عام (2005م) في أحد أكبر دور النشر في العالم الإسلامي وهي دار ابن حزم في بيروت.
وقد ادعيت فيها وقتها تجديدي لعلم أصول الفقه من خلال: الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الضوابط التي تميز القواعد الأصولية عن القواعد الفقهية، وأنها أول دراسة تبحث أركان وشروط القاعدة الأصولية، كما تنقض أساس دعوى وجود فرق بين ما يسمى منهج الجمهور ( المتكلمين ) ومنهج الحنفية، ومنهج الجمع بين الطريقتين في أصول الفقه لتبنيَ أصول الفقه وفق مدارس أصولية جديدة...
ومن أبرز نقاط التجديد في هذا الكتاب استحداث علم جديد هو ( علم القواعد الأصولية ) وتأصيله ووضع الأسس النظرية له ببيان حقيقته، موضوعه، استمداده، فائدته، مكانته بين علوم الشرع وصلته بها، نشأته، تطوره، أقسامه، مع إعطاء تصور دقيق حوله من خلال تمثيل انتخابي لأهم مسائله وقواعده.
ومن أهم نقاط التجديد في هذه الرسالة التأصيل لفن جديد يشكل أحد شقي علم القواعد الأصولية وهو فن ( القواعد الأصولية الجامعة الكبرى والوسطى ) حيث استحدثت القواعد الأصولية الكبرى على غرار القواعد الفقهية الكبرى، وأضفت لها الوسطى التي تكاد تجمع قواعد باب أصولي كامل في قاعدة واحدة.
وقد أشرف على الرسالة شيخي العالم التقي الدكتور عارف خليل أبو عيد، وناقشها أربعة من علماء الأمة الأفذاذ وهم أصحاب الفضيلة مشايخي الذين أعتز بتلقي العلم عن أيدهم والنهل من رحيق علومهم: الأستاذ الدكتور عبد الملك بن عبد الرحمن السعدي، والأستاذ الدكتور عبد المعز حريز، ومعالي الأستاذ الدكتور هايل عبد الحفيظ داود، والدكتور العبد خليل، ولم ينقض أحد منهم أياً من دعاوى التجديد التي طرحتها في مقدمة الرسالة وأكدتها في نتائجها.
وبحمد الله تعالى لم ينقض أحد هذه الدعاوى خلال الفترة الماضية، بل تم تطبيق بعض نتائج الرسالة في معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية مثل ما يتعلق بمبدأ القواعد الكبرى والوسطى والقواعد الجماهيرية... دون إشارة إلى رسالتي هذه للأسف!، كما أن غالب توصيات الرسالة خرجت بعدها على شكل رسائل علمية وكتب وبحوث أصولية حققت ما دعوت إليه في هذه التوصيات.
وقد نفذت طبعته الأولى منذ زمن بعيد، ولم تعد في الأسواق مع كثرة الطلب عليها، وتدريسها في عدد من الجامعات العربية كمرجع رئيس أو مساعد كبعض جامعات العراق والجزائر وفلسطين... وراسلني عدد كبير من الإخوة والأخوات لإعادة طبعه، فكانت هذه الطبعة المميزة عند دار نشر صاعدة هي "دار الفتح" برعاية أخي وصديقي الألمعي الدكتور إياد الغوج -حفظه الله تعالى- الذي لا يألو جهداً بنشر أطايب الكتب بما تحويه من جميل الأدب، وتخدم تراث الأمة العتيد، جامعة بين الأصالة والتجديد؛ لتنهض بالأمة حاضراً ومستقبلاً...
وقد امتازت هذه الطبعة عن سابقتها بميزات كثيرة أهمها: إعادة ضبط واختصار حواشي الكتاب، وتدقيق فهرس المراجع والمصادر، وتوسيع فهرس الموضوعات، وتخريج ما لم يخرج من الأحاديث والآثار والروايات، والحكم على ما لم يُحْكَم عليه من العلماء الثقات، وتصحيح الأخطاء الطباعية واللغوية والنحوية، وإعادة إحكام صياغة عدد من القواعد الأصولية، وإضافة بعض الأمثلة، ونسبة النقول المُهْمَلة، وتصحيح المْبْهَمَة، وضبط كثير من الألفاظ، والحرص على إستكمال ما نقص من علامات الترقيم، وتعديل السَّقِيم، وتصويب عدد من العبارات، وحذف أو اختصار لمكررات مُؤَكِّدات في أنموذج الطبيقات، مع إضافات وتدقيقات وتحريرات كثيرة متناثرة بين ثنايا الكتاب، تَحَرِّيَاً لصحة الخطاب... وهي تعديلات مع كثرتها قليلة بالنسبة إلى حجمه، فهي ترتقي بالكتاب ولا تغير جوهره، بل تحافظ على أصله، وتعلو به نحو تحقيق غايته...
وفي الختام هو جهد المقل لن ينفعني فيه "قيل" و"قال" فيكون مصيري "فقد قيل"( )، فهو جهد أهديه لصاحب الحضرة الشريفة ﷺ ليكون شفيعاً لي بين يدي ربي عز وجل الذي ألفت هذا الكتاب لنيل رضاه دون سواه ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) [الأنعام: 162 - 164]، سائلًا الرحيم أن يجعله في ميزان حسناتي ووالديَّ ومشايخي، وآخر دعوانا (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74] والحمد لله رب العالمين.

مقدمة الطبعة الأولى:
الحمد لله المتوحد بجلال ذاته وعظيم صفاته، المتقدس بنعوت الجبروت عن سمات النقص وصفاته، وأصلي وأسلم على أشرف الخلق والمرسلين، وخاتم النبيين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه، واقتفى سنته من الدعاة الصابرين إلى يوم الدين... صلاة دائمة كلما أشرقت شمس وبَلَجَ نجم...
ترزح أمتنا العربية والإسلامية اليوم تحت نير القهر، وذل الاستعمار الفكري والاقتصادي، وفرض القرار السياسي من الخارج، واستقواء أمم الكفر التي تكالبت علينا تكالب الأكلة على قصعتها، لا لقلة عددنا وعدتنا ولكن لفقدنا روح التحدي والتميز والإقدام التي هي بعض معالم ديننا؛ بتركنا نهجه وسيرنا وراء سراب الغرب وفلسفته، ورهاننا على نهجه في الحياة وطريقته، فخسرنا كل شيء...
فلا تصلح الأمة حاضراً إلا بما صلحت به ماضياً، فلم يكن للعرب قوة ولا دولة ولا قيمة ولا اقتصاد ولا سياسة ولا علم ولا ثقافة ولا تاريخ مشرق مشرف الا به... فبالإسلام أصبحت درة الأمم، وشامةً بين العجم، ونجمةً في أعالي القمم، ومناراً في ظلمة البَهم في شتى ميادين المدنية والحضارة. وعندما تركناه روحا ومضمونا، وجفت شعائره في قلوبنا فغدت قشورا؛ آل حالنا إلى ما نرى... فنحن أمة أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، ومثلث التاريخ ( الجاهلية، صدر الإسلام، العصر الحديث ) شاهد على ذلك.
فالإسلام هو الحل!!! لكنها كلمة فضفاضة هيولانية لا تتجسد واقعا إلا بصورة هي استراتيجيات محكمة مدروسة وفق منهج علمي رصين، يجعل محصل قوى العمل الإسلامي إيجابيا منتجاً فاعلاً نحو تغيير الأمة وإعادة أمجادها، لا ضعيفا موءودا لتضاربه في واقع الدعاة أفرادا وجماعات... فإيجاد استراتيجيات مشتركة متفق عليها وضبط الوسائل المؤدية إليها ضبطا كليا هو أول مراقي الصعود والسعود لأمتنا.
ولا بد أن تنطلق هذه الاستراتيجيات من الفكر الذي هو أصل كل عمل، فالفكرة تتقوى وتنتشر حتى تسيطر على عقل الإنسان؛ فتصير معتقداً يملك عليه نفسه ويحرك عقله وروحه اللذين يحركان جوارحه عملاً يجسد الفكرة خارجاً، وهذا العمل يكثر ويتأصل حتى يصير عادة، فعرفا، فقيمة خاصة، فقيمة عامة، فدينا تدين له وبه الأمم نحو عليائها.
وكلما انطلقت الاستراتيجيات من الفكرة الأكثر قوة ورسوخاً وتأثيراً في الأمة، كانت أسرع نتاجاً وأقوم إنتاجاً، والفقه الإسلامي هو أكثر الموجهات لسلوك الأمة ظاهراً وباطناً بعد العقيدة التي هي أكثر الأفكار قوة وعمقاً ورسوخاً في النفس البشرية؛ لارتباطهما المتين بعقل وروح الإنسان من خلال الوازع الفطري والدافع المصلحي الدنيوي الظاهري، ومصيره الأخروي الحقيقي الذي فيه كل المصلحة واللذة والسعادة الأبدية الدائمة التي تؤول السعادة الدنيوية بجانبها إلى الصفر...
فلا بد أن تنطلق الإستراتيجيات من إعادة النظر في موروث النتاج المعرفي من العلم الباحث في العقائد الإسلامية، والأصول التي يبنى عليها الفقه الإسلامي متمثلا في أصول الفقه والعلوم المتعلقة به الخادمة له كعلم القواعد الأصولية بيانا وإثباتاً ودفاعاً في نظرية متكاملة؛ لإعادة فاعليته في بث حيوية الروح والإقدام والتميز بعثا للأمة من سباتها نحو عليائها...
" فأصول الفقه علم عَظُمَ نَفْعُهُ وقدْرُه، وعلا شرفه وفخره؛ إذ هو مثار الأحكام الشرعية، ومنار الفتاوى الفرعية التي بها صلاح المكلفين معاشا ومعادا، ثم إنه العمدة في الاجتهاد، وأهم ما يتوقف عليه من المواد كما نص عليه العلماء، ووصفه به الأئمة الفضلاء... فالركن الأعظم والأمر الأهم في الاجتهاد إنما هو علم أصول الفقه( ) ".
فحق " على كل من حاول تحصيل علم من العلوم أن يتصور معناه أولاً بالحد أو الرسم، ليكون على بصيرة فيما يطلبه، وأن يعرف موضوعه وهو الشيء الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة له تمييزا له عن غيره، وما هو الغاية المقصودة من تحصيله حتى لا يكون سعيه عبثا، وما عنه البحث فيه من الأحوال التي هي مسائله لتصور طلبها وما منه استمداده لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه، وأن يتصور مباديه التي لا بد من سبق معرفتها فيه لإمكان البناء عليها( )".
فجائت هذه الدراسة محاولة جادة لبعث روح جديدة في علم أصول الفقه من خلال وليده الجديد ( علم القواعد الأصولية )، الذي استخدمت فيه مختلف وسائل البحث: الوصفية، التحليلية، الاستقرائية، الجدلية... ليتبوأ مكانه الطبيعي المرموق في توجيه العقل الإسلامي نحو إعادة بناء الأمة على أسس متينة؛ ليرجع ماضينا التليد من مجرد تاريخ وأغنية نتغنى بها إلى واقع ملموس نعيشه حاضراً ومستقبلاً، ومن مجرد قصص بطولة وأمجاد نحكيها لأبنائنا وأحفادنا إلى واقع معيشي يستمتعون به ويتفاعلون معه...
قيل قديما في علم أصول الفقه إنه علم نضج وما احترق. فلا حاجة بنا اليوم إلى حرقه كي لا تذهب فائدته! فجاءت هذه الأطروحة مساهمة في إعادة طهي بعض أجزائه من جديد ليُنضج بذوق هذا العصر وتفنناته وحاجاته ليكون أنفع للأمة، مستهديا مستنيراً بقول الأئمة الفضلاء: " لا ينبغي لحصيف أن يتصدى إلى تصنيف أن يعدل عن غرضين: إما أن يخترع معنى، وإما أن يبتدع وضعاً ومبنى، وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد الورق، والتحلي بحِلْيَة السَّرَف( )".

أوجه الجديد والتجديد التي حَرَصت الدراسة على تحقيقها:
ملكت فكرة تجديد أصول الفقه علي فؤادي منذ سنين؛ حتى هممت بتقديم مشروع رسالة دكتوراه بعنوان ( تجديد أصول الفقه ) لكنني توقفت في آخر لحظة لأسباب عدة أهمها: أن الحديث عن التجديد في أي علم يحتاج قدماً راسخةً وهضماً تاماً للعلم المراد تجديده وإلا وئد قبل أن يولد أو خرج مشوها لعدم اكتمال تغذيته في رحمه الذي هو عقل الباحث، أو طالته تشوهات جينية بسبب خلل والده ( استعداد الباحث )... فآثرت تأجيل المشروع لتكتمل أدوات الاجتهاد الأصولية لدي، فأبحرت من لجج التنظير الكلي في تجديد أصول الفقه إلى شاطئ التطبيق العملي لمحاور هذا التجديد واتجاهاته وصوره، فالأنموذج لا بد أن يتطور ويصبح حقيقة، والطفل الصحيح المعتنى به لا بد يكبر ويصبح رجلاً حكيماً، والسباحة في الشاطئ تُعلِّم الغوص في اللجج، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه؟ بل سيرتع بإذن الله ومعونته.
ومن محاور التجديد واتجاهاته وأعمدته في هذه الدراسة:
المحور الأول: إعادة بناء النتائج الأصولية وصياغتها في مبان قواعدية قانونية محكمة الصياغة على شكل قواعد أصولية.
المحور الثاني: استقراء النقاط والروابط المشتركة بين هذه القواعد الأصولية لاستنباط قواعد أصولية أعم منها شاملة جامعة لها هي قواعد لهذه القواعد على غرار القواعد الفقهية الخمس الكبرى بالنسبة لبقية القواعد الفقهية الجامعة لها في خيط واحد من التأصيل والصياغة.
المحور الثالث: توسيع أو تأصيل واستخراج بعض الجيوب الأصولية لإنشاء علوم أصولية جديدة من رحم أصول الفقه على غرار علم المقاصد، فأجهدت فكري وركزته لإنشاء علم جديد سميته ( علم القواعد الأصولية ) حيث لم تبحث – حسب اطلاعي - القواعد الأصولية على مر التاريخ باعتبارها علماً قائماً بذاته، فجاءت هذه الأطروحة تُنَظِّر لهذا العلم، بانية منظومة من المقدمات والمبادئ التي يستطيع من خلالها أن يقف صامدا واثقاً بنفسة بين بقية العلوم، وهي وإن كانت المحاولة الأولى لهذا العلم فلا شك أن المحاولات الأخرى التي ستأتي بعدها ستنضجها وتفجر قضايا أخرى لم تتطرق إليها الأطروحة أو توسع بعض مباحثها أو تزيل الغموض عن بعضها إن وجد... وهذا المحور الثالث في تجديد أصول الفقه جمع بين جنبيه المحورين الأولين فاكتمل بهما بناء هذا العلم.
هذه بعض أوجه التجديد في هذا العلم على سبيل الإجمال والتي حَرَصت الأطروحة على تطبيقها واقعا، أما على سبيل التفصيل فأوجه التجديد في هذه الدراسة هي:
أولاً: تؤصل الأطروحة لعلم جديد هو ( علم القواعد الأصولية ) من خلال وضع الأسس النظرية له ببيان حقيقته، موضوعه، استمداده، فائدته، مكانته بين علوم الشرع وصلته بها، نشأته، تطوره، أقسامه، مع إعطاء تصور دقيق حوله من خلال تمثيل انتخابي لأهم مسائله وقواعده على غرار تأصيل الدكتور علي الندوي لـعلم القواعد الفقهية في رسالته تقريباً.
فالرسالة دراسة وصفية تحليلية تأصيلية لعلم لم ينضج ولم يحترق من علوم الشريعة الإسلامية هو ( علم القواعد الأصولية ).
فهو علم جديد لأن العلم يتميز عن غيره من العلوم بالهدف والموضوع، و( علم القواعد الأصولية ) يختلف عن " علم أصول الفقه " في الهدف والموضوع معاً، فهدف ( علم القواعد الأصولية ): ضبط أصول الفقه، بينما هدف ( علم أصول الفقه ): ضبط الفقه، وموضوع ( القواعد الأصولية ) هو نفس ( أصول الفقه ) من حيث ضبطها، بينما موضوع ( علم أصول الفقه ) هو الأدلة الإجمالية من حيث ضبط الفقه.

ثانياً: تؤصل الأطروحة لفن جديد يشكل أحد شقي علم القواعد الأصولية وهو فن ( القواعد الأصولية الجامعة الكبرى والوسطى )، والذي يهدف إلى الغوص في فلسفة أصول الفقه من خلال دراسته للقواعد التي ترجع إليها قواعد أصول الفقه أو بتعبير آخر ( قواعد القواعد الأصولية ).
فالقواعد الأصولية منها ما يتعلق بضبط علم أصول الفقه، ومنها ما لا يتعلق بذلك وإنما يتعلق بضبط الاجتهاد الفقهي، وهي بدورها تنقسم انقساما اعتباريا إلى خاص لا ينبني عليه قواعد أصولية، وعام ينبني عليه قواعد أصولية، والعام بدوره يتفرع إلى قواعد أصولية كبرى ينبني عليها عدد كبير جداً من القواعد الأصولية مبثوثة في جميع الأبواب الأصولية، ومنها الوسطى وهي القواعد الأصولية التي ينبني عليها كثير من القواعد الأصولية لكنها تختص بباب أصولي واحد، سواء كانت عمدة الباب أي جامعة لقواعده أو أغلبها أو عمدة في الباب أي تجمع بعض قواعده.
وبحمد الله ومنته وبعد استفراغ وسعي في البحث والتنقيب وسؤال المتخصصين أعلن بكل فخر واعتزاز أن رسالتي هذه قد تفردت عبر تاريخ علم أصول الفقه بافتتاح بحث قواعد القواعد الأصولية بنوعيها الكبرى والوسطى؛ فلم أرَ في المصنفات الأصولية والفقهية القديمة والمعاصرة من بحث هذه القضية، ولكن لفتات بين فلتات ألسنة أساطينه، فما هي إلا نتف هنا وهناك، وإشارات باهتة وتدقيقات، فعسى أن تكون هذه الدراسة منطلقاً وأساساً لأبحاثٍ ورسائلَ في هذا المجال المهم، وبصيص نور لفن جديد مثير.

ثالثاً: تهدف الدراسة إلى معالجة مشكلة واقعية وهي بعد أصول الفقه اليوم عن الواقع الاجتهادي في ضبط العملية الاجتهادية الفقهية نتيجة تراكمات تاريخية وفلسفية ومحددات عقيدية وطائفية... جعلت الاستفادة منه في ضبط العملية الاجتهادية أمرا فيه شيء من الصعوبة، وعدم الواقعية، والقصور عن تحقيق المراد، وذلك من خلال الدعوة إلى إعادة تشكيل علم أصول الفقه من خلال تقعيده في نصوص قانونية موجزة وصولا لضبط الاجتهاد الفقهي المعاصر الذي يشكل علم أصل الفقه عمدته.
رابعاً: التأصيل لموضوع جمع ما تناثر من صياغات الأصوليين الموجزة للنتائج الأصولية ومحاولة صياغة غير المصاغ صياغة قانونية موجزة، وتدعو إلى التركيز على صياغة الأهم من النتائج الأصولية، وأبرز ضوابط الأهمية: كثرة الفروع الفقهية والأصولية التي تتفرع على القاعدة المختارة، وهي بذلك تدعو إلى استثناء القواعد العلمية التي لم يتفرع عليها أي خلاف أصولي أو فقهي أو يندر جاعلة علم أصول الفقه أكثر عملية في بناء العقلية الاجتهادية، فلم يتصد لهذا التوجه إلا القلة النادرة من الأصوليين.
خامساً: تمايز الأطروحة بين النتائج الأصولية المجمع عليها والجماهيرية وتلك التي كثر الخلاف حولها، فتدعو إلى تقريب أصول الفقه لغير المتخصصين محاولة جعل القواعد المجمع عليها والجماهيرية في مقام المسلمات أو الاحترام المطلق لها بهدف تقليل الخلاف فيها باقتراح توجه جديد يعتمد على هذه القواعد جاعلا منها قوانين محترمة ملزمة يرجع إليها عند الخلاف كمقدمة يصعب الجدال فيها، من خلال التركيز عليها في المؤلفات الأصولية المعاصرة، فبما أن غير المتخصص لا يستطيع بحثها بتجرد للوصول إلى الحق فالأقرب إتباع الجمهورية كما يتبع المجمع عليها المُسَلَّمَة.

سادسا: تحاول الأطروحة الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الضوابط وأدقها التي تميز ( القواعد الأصولية ) عن ( القواعد الفقهية ) التي اختلطت بها في كثير من كتب القواعد الفقهية أو أكثرها معاصرة وقديمة، فقد توصلت إلى أربعة عشر فرقا مع أن أحدا – حسب اطلاعي وبحثي - لم يوصلها إلا إلى خمسة أو ستة فروق إلى وقت تأليف هذه الدراسة.

سابعا: الاستقراء التاريخي لعملية التقعيد الأصولي عبر القرون وصولا إلى فهم أدق لتطور أحد أهم الجوانب المتعلقة بعلم أصول الفقه مما يسهم في بناء لبنة جديدة في تجديد أصول الفقه شكلا ومضمونا؛ لضبط جانب من تلك الدعوات المعاصرة الداعية إلى تجديده.
ثامنا: امتازت هذه الأطروحة عن جميع الدراسات السابقة في هذا المضمار أنها تؤصل لهذا العلم بنظرة كلية تشتمل على جميع أبوابه وأقسامه، لا جانبا معينا منه، ولا عند عَلَمِ من أعلامه فقط، فلا يوجد أي بحث سابق بحث التقعيد الأصولي كنظرية كلية.

تاسعا: هذه الدراسة أول دراسة – فيما أعلم– تبحث أركان وشروط القاعدة الأصولية.

عاشراً: تناقش الأطروحة – خاصة في فصلها الثالث – بعض دعوات تجديد أصول الفقه الداعية للاستغناء عن كثير من القواعد الأصولية التي يعتبرونها مجرد ترف فكري عفا عنه الزمن، ويكفي رداً عملياً عليهم أن أوردت شيئاً منها في القواعد الأصولية الكبرى التي هي الأساس التي تنبني عليها قلعة أصول الفقه الشامخة من خلال عشرات القواعد الأصولية التي تفرعت عنها وما ترتب على ذلك من آثار فقهية هائلة كقاعدة ( التحسين والتقبيح )، وقاعة ( منع التكليف بما لا يطاق ) التي تربط بين التأصيل والتجديد، بين العراقة وما هو قادم من بعيد.

حادي عشر: تناقش الأطروحة، بل تنقض أساس دعوى وجود فرق بين ما يسمى منهج الجمهور ( المتكلمين ) ومنهج الحنفية، ومنهج الجمع بين الطريقتين في أصول الفقه، داعية إلى بحث المناهج الأصولية من خلال طرائق تفكر علمائه وأساطينه، أو مناهج التفكير العقدية التي بحثت فيه كالمعتزلة والشيعة والأشاعرة والظاهرية؛ لأنه لا خلاف بين مناهج وطرق المذاهب الفقهية الأربعة في التقعيد الأصولي والله تعالى أعلم.
هذا شيء من جوانب التجديد في رسالتي وفي ثنايا البحث وتوصياته جوانب أخرى لن يحيط بها إلا من دقق النظر في جميع فقرات الأطروحة.
هذا وقد قسمت الأطروحة إلى ثلاثة فصول، عرفت في الفصل الأول بالقواعد الأصولية في أحد عشر مبحثا، بينت في الأول حقيقة القواعد الأصولية، وفي الثاني موضوع علم القواعد الأصولية، وفي الثالث: المستندات التي يقوم عليها التقعيد الأصولي، وفي الرابع: أصول التقعيد الأصولي في العلوم الشرعية، وفي الخامس: فائدة علم القواعد الأصولية وفضله ومكانته بين علوم الشرع، وفي السادس: القواعد الأصولية علم مستقل، وفي السابع: القاعدة الأصولية كدليل مستقل، وفي الثامن: حكم الشارع في القاعدة الأصولية، وفي التاسع: مقومات التقعيد الأصولي، وفي العاشر: مدارس التقعيد الأصولي، وفي الحادي عشر: اصطلاحاًت ومفاهيم وعلوم ذات صلة والتمييز بينها وبين القواعد الأصولية.
وبحثت في الفصل الثاني نشأة القواعد الأصولية، وتطورها، وأهم المؤلفات فيها من خلال ثلاثة مباحث بينت في الأول: عوامل نشأة التقعيد الأصولي، وفي الثاني: تطور التقعيد الأصولي، وفي الثالث: أهم مصادر القواعد الأصولية ومناهج مؤلفيها.
ومثلث في الفصل الثالث بنماذج لأهم القواعد الأصولية في ثلاثة مباحث، فصلت في الأول: تقسيمات القواعد الأصولية، وفي الثاني: القواعد الأصولية العامة التي ينبني عليها فروع ( قواعد ) أصولية، وفي المبحث الثالث: القواعد الأصولية الصغرى.
أما عن المنهج الذي اتبعته، فقد حاولت التزام المنهج التالي:
حاولت قدر استطاعتي التزام المنهج التالي:
1. المنهج الوصفي، من خلال عرض حقيقة علم القواعد الأصولية ومبادئه ومقدماته ومصادره وتطوره ومشخصاته من القواعد الأصولية عند الأقدمين...
2. المنهج التحليلي، من خلال تحليل ما سبق ومن ذلك تحليل القواعد الأصولية وفرزها إلى مجموعات وجهات مختلفة وخاصة محاولة إيجاد القواعد العامة التي تجمع القواعد الأصولية ذاتها.
3. المنهج التمثيلي الانتخابي لأهم القواعد الأصولية خاصة تلك القواعد العملية التي ينبني عليها أكثر المسائل الفقهية أو تلك التي ينبني عليها فروع أصولية.
4. الاعتماد على الكتب المعتمدة في نقل المذاهب والآراء.
5. الرجوع إلى المصادر الأصيلة ثم البديلة ثم الثانوية حسب طبيعة النقل والفكرة وأهميتها في بناء الأفكار الأساسية والثانوية.
6. تخريج الآيات والأحاديث الواردة في متن الأطروحة من مظانها.
7. نقد المادة العلمية وتحليلها.
8. تحديد المفاهيم وبناؤها.
9. الترجمة للأعلام الذين ورد ذكرهم في متن الأطروحة، فإن كان العلم من أصحاب مصادر القواعد الأصولية الذين ترجمت لكتابه فقد جعلت ترجمته في متن الأطروحة مع شيء من الاستفاضة وإلا في الحاشية مع الاختصار، ولم أترجم لعَلَم إن ورد اسمه في التعريف بعلم من هؤلاء الأعلام، ولا من وردت أسماءهم في الحواشي.
10. وليتنبه القارئ الكريم إلى أمر في غاية الأهمية وهو أنني حَرَصت في ذكر نماذج القواعد الأصولية أثناء التعريف بالمصادر أن ألتزم بنص صاحب المصدر في ذكر القاعدة، كي يتعرف القارئ طريقة العالِم في بناء القواعد الأصولية وصياغتها قوة وضعفا، ومدى توفر أركان وشروط القاعدة الأصولية في كلامه، وما اهتم به منها...، فنادراً ما أتصرف فيه كي لا تضيع القيمة التاريخية للنص وإسهاماً في بيان التطور التاريخي لعملية التقعيد الأصولي، مع حرصي على الانتخاب والتنويع في عرض قواعدهم.
11. حَرَصت في بعض الأحيان على وضع المصطلحات الشرعية وعلى رأسها الأصولية، والكلامية والمنطقية، ضمن صور من التعابير ذات الطابع البلاغي تخفيفا من صعوبتها على الأفهام، ووطأتها على الأسماع، وتزيينا لما أظنه حقا، فالكلام الجميل يزيد الحق جمالاً وفي قارئه انفعالاً.
فهذا جهد المقل أضعه بين أيديكم، ويعلم الله كم عانيت فيه كي يخرج على صورته هذه، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، راجيا من القارئ الكريم أن ينظر إلى ما كتبت بعين الرضا لا بعين السخط، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الملخص (لغة أخرى)

In the Name of Allah, the Most Gracious, the Most Merciful

It was said by the scholars of the past:
“Authorship falls into seven categories, and no rational, knowledgeable person writes outside of them:
either one invents something entirely new, completes what is incomplete, elucidates what is obscure,
abridges what is lengthy without compromising meaning, compiles what is scattered,
organizes what is disordered, or corrects what another author has erred in.”

This study endeavors to embody all seven of these categories. Nonetheless, deficiency is inherent to human beings. One noble scholar once wrote to another apologizing for a critique he made, saying:
“I have come upon something—perhaps you have as well, perhaps not—and I wish to share it: I have seen that no one writes a book in a day except that on the next he says, ‘If only I had changed this, it would be better; if only I had added that, it would be more complete; if I had advanced this, it would be superior; or removed that, it would be more elegant.’ This is one of the greatest lessons, and a sign that imperfection dominates the human condition.”

Glory be to the One before whom all necks bow in submission, before whose might the mighty are humbled, and by whose power even the hardest of obstacles are overcome. He is exalted in majesty and might, free from all deficiency and above all imperfection. His perfection is beyond enumeration, and His attributes beyond description. No book is free from flaw—save His book, as He said:
“Falsehood cannot approach it from before it or from behind it. [It is] a revelation from a [Lord who is] Wise and Praiseworthy.” [Fussilat: 42]

Al-Zarkashi stated:
“The noblest of sciences after sound belief is the knowledge of practical rulings. Knowing them through blind imitation and mere transmission of secondary rulings drains the mind and fails to satisfy the heart due to the absence of evidence. How vast the difference between one who imitates his Imam in acts of worship without understanding and one whose chest is content due to knowledge from Allah and His Messenger. Such understanding comes only through ijtihad. People are far from this except those who immerse themselves in the science of Usul al-Fiqh, drink deeply from its pure springs, clothe themselves in its fine garments, and swim in its ocean, reaping its precious pearls.”

He further said:
“To organize scattered and numerous matters into unified principles is more conducive to memorization and mastery.”

Al-Qarafi said in al-Dhakhira:
“The jurist must always be mindful of the foundations of Usul al-Fiqh, the general principles of the Shari'ah, and scholarly terminology, so that rulings may properly emerge from sound foundations. Any jurisprudence not grounded in principles is baseless.”

And in al-Furuq, he stated:
“Whoever derives rulings from partial analogies rather than from overarching principles will find his rulings contradictory, his thoughts disturbed, and his soul weary and despondent. He will need to memorize endless particulars, waste his life without achieving satisfaction. The difference between the two approaches is vast.”

Shaykh Hasan al-Attar remarked:
“Legal maxims are prone to exceptions, and they are closely related to the fundamentals, for those fundamentals are the true foundations.”

Foreword by Professor Dr. Ali Mohieddin Al-Qaradaghi
Secretary-General of the International Union of Muslim Scholars

All praise is due to Allah, Lord of the worlds, and may peace and blessings be upon the one sent as a mercy to all creation—our master Muhammad, and upon his family and companions. To proceed:

Our righteous predecessors exerted tremendous efforts in the service of Islam—as creed, law, and way of life—offering immense contributions in all fields of theorization, education, foundation, codification, and the organization of life affairs. As a result, the Muslim Ummah achieved a brilliant civilization, both in essence and appearance—pioneering in sciences and arts, purposeful in its noble objectives, and robust in its foundations and impacts.

The scholars of Usul (Islamic legal theory) held a prominent role and superior methodology in serving the Shariah through the development of methods for deriving, extracting, and applying rulings. Their efforts in tahqiq al-manat (accurate contextualization), application, and implementation were unparalleled. Throughout centuries, the Muslim Ummah never needed to import a single legal principle or legislative maxim from outside the Qur'an or the purified Sunnah of the Prophet ﷺ—even though the Shariah was applied across diverse civilizations with ancient legal systems such as the Code of Hammurabi and Roman Law.

Therefore, the science of Usul al-Fiqh and its maxims is considered the most noble of sciences after theology (ʿilm al-kalām), due to the nobility of its subject matter: the general evidences of Islamic legislation, such as the Qur’an, Sunnah, and those established by them. This discipline combines both revelation and reason, Shariah and sound opinion.

Indeed, Allah has preserved the understanding of Shariah and its indications through the science of Usul al-Fiqh and its regulating principles. This protection has safeguarded it from the distortions of the ignorant, the claims of falsifiers, and the interpretations of extremists.

This explains why the attacks of secularists who seek to distort religious texts focus primarily on undermining Usul al-Fiqh and its regulating frameworks—because this science thwarts their attempts at manipulation, exposes the invalidity of their methodologies, and dismantles their claims, whether tied to historicism or to misapplied notions of maqāṣid (higher objectives of Shariah), which conflict with the understanding of the pious predecessors and authoritative scholars.

From this standpoint arises the importance of the book "The Theory of Uṣūlī Codification" by the honorable, meticulous researcher Dr. Ayman Abd al-Hamid al-Badarin. He thoroughly explores the reality, subject matter, principles, benefits, virtues, and status of legal maxims, and distinguishes between uṣūlī (theoretical legal) and fiqhī (substantive legal) maxims. He elaborates on major, intermediate, and minor maxims, and more.

His approach is that of a confident researcher—one who benefits from predecessors yet avoids blind imitation without evidence. He even diverges from the majority of researchers who categorize the methodological schools of Usul al-Fiqh into three: the mutakallimūn (theologians), the Hanafis, and a combined approach. He disagrees with all three and argues that, in reality, there is only one methodology—substantiating his claim with sound evidence.

Even if others differ with him, this is to his credit. He adheres to what he believes is most sound, following evidence as he understands it.

It is well known that Usul al-Fiqh and its maxims are relatively stable disciplines—not like jurisprudence, economics, or sociology—thus, innovation within them is rare and renewal is difficult. Yet, the author exerted considerable effort to offer meaningful additions and renewal in the field of uṣūlī codification. His contribution lies in reconstructing uṣūlī conclusions into well-structured legal principles, attempting to shape a framework titled: The Science of Uṣūlī Maxims.

Among the most significant discussions in the book is his treatment of the principle of ḥusn and qubḥ (moral good and evil). He presents its details at length, introduces derivative maxims, and highlights substantial benefits. I had hoped he would also address the jurisprudence of balance (fiqh al-mīzān), as it could help resolve such debates by clarifying the scale of Shariah and that of reason.

Indeed, it is not within the domain of reason to weigh what lies outside its capacity. Reason is a scale for perceiving and articulating the realities and attributes of tangible matters. Using it to weigh matters beyond its scope leads to confusion and injustice—like measuring electricity consumption with a scale designed for iron. Allah, the Most High, linked proper understanding of revelation to the scale when He said:
“Indeed, We sent Our messengers with clear proofs and sent down with them the Book and the Balance that people may maintain justice…” [Al-Hadid: 25]

Thus, every matter has its own scale. Reason does not establish legal rulings—only Allah does. The function of reason is to uncover and interpret the ruling, not to legislate it. Yet reason has a vital role in discovering material realities and facilitating development and civilization.

Therefore, legal obligation and reward, whether worldly or in the Hereafter, are not determined by rational criteria but by the Shariah.

In conclusion, this book is rich in its subject matter, beneficial in its content, precise in its presentation, and indispensable for researchers in Usul al-Fiqh and legal maxims. May Allah reward its author, Dr. Ayman al-Badarin, abundantly, benefit the Ummah through him, and grant him acceptance and continued success in his scholarly endeavors aimed at foundational thinking, principled construction, enlightenment, and renewal.

التقييمات والمراجعات

يجب عليك تسجيل الدخول لتقييم هذه المادة.

لا توجد مراجعات لهذه المادة حتى الآن. كن أول من يقيمها!